الشنقيطي
391
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقد ذكرنا قريبا ما يشهد لكل منهما من القرآن كقوله تعالى في إملاء الشيطان لهم يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً ( 120 ) [ النساء : 120 ] وقوله في إملاء اللّه لهم : وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 183 ) [ الأعراف : 183 ] كما تقدم قريبا ، والإشارة في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ راجعة إلى قوله تعالى ، الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ ( 25 ) . أي ذلك التسويل والإملاء المفضي إلى الكفر بسبب أنهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ . وظاهر الآية يدل على أن بعض الأمر الذي قالوا لهم سنطيعكم فيه مما نزل اللّه وكرهه أولئك المطاعون . والآية الكريمة تدل على أن كل من أطاع من كره ما نزل اللّه في معاونته له على كراهته ومؤازرته له على ذلك الباطل ، أنه كافر باللّه بدليل قوله تعالى فيمن كان كذلك فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ ( 27 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ ( 28 ) [ 27 - 28 ] . وقد قدمنا ما يوضح ذلك من القرآن في سورة شورى في الكلام على قوله تعالى : وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [ الشورى : 10 ] وفي مواضع عديدة من هذا الكتاب المبارك . وبينا في سورة شورى أيضا شدة كراهة الكفار لما نزل اللّه ، وبينا ذلك بالآيات القرآنية في الكلام على قوله تعالى كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ [ الشورى : 13 ] . وقد قدمنا مرارا أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة واللّه يعلم إِسْرارَهُمْ ( 26 ) قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة عن عاصم أسرارهم بفتح الهمزة جمع سر . وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم إسرارهم بكسر الهمزة مصدر أسر كقوله : وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً ( 9 ) [ نوح : 9 ] . وقد قالوا لهم ذلك سرا فأفشاه اللّه العالم بكل ما يسرون وما يعلنون . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ ( 27 ) أي : فكيف يكون حال هؤلاء إذا توفتهم الملائكة ؟ أي قبض ملك الموت وأعوانه أرواحهم في حال كونهم ضاربين وجوههم وأدبارهم . وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الملائكة ، يتوفون الكفار وهم يضربون